الثلاثاء، 12 مارس 2013

الانتحاري والجهة الحاضنة والفتوى

احمد هاشم الحبوبي


بقلم احمد هاشم الحبوبي  
مقال منشور في 22/تشرين الثاني/2010

يهتم القائمون على تنظيم القاعدة بتنفيذ عمليات إجرامية كبرى وبأساليب مبتكرة تـُحْدِثُ دمارا هائلاً وتخلّف صدى واسعا يمتد في مختلف أرجاء العالم. وكلما حصّنت الدول من المواقع المرشحة لأن تكون هدفا للتنظيم، فان الأخير يستجيب بسرعة هائلة ويقوم بتعديل قائمة أهدافه للبحث عن أهداف رخوة يسهل مهاجمتها، مستندا في ذلك على حفنة من المشرّعين [= أصحاب فتاوى التكفير] القادرين على التلاعب بعقول مريديهم وتابعيهم عبر تقديم «المبررات الشرعية» التي تبرر ارتكاب تلك الجرائم الشنيعة التي عادة ما يكون ضحاياها أناسا أبرياء لا حول لهم ولا قوة. وهذا التوصيف يشمل كل دول العالم التي عانت من الإرهاب.
ان المعين الأساسي الذي يستمد منه التنظيم ديمومته هو قدرته الفائقة على توفير سيل الانتحاريين الذين هم عبارة عن قنابل بشرية متحركة. وهؤلاء يصعب جداً ردعهم، لأنهم هم أصلا بصدد تنفيذ حكم الإعدام بحق أنفسهم. وهو أشد العقوبات التي اهتدى إليها العقل البشري إلى يومنا هذا. الاّ إذا تم اتخاذ إجراءات انتقامية بحق أسرة الانتحاري وأقاربه، وهذا لا يتماشى لا مع قوانين السماء ولا مع القوانين المدنية. وربما لا تجدي حتى هكذا إجراءات مع شخص يعاني أصلا من كبت جنسي وخواء فكري يجعله جاهزا لتلقي الأفكار المريضة المرتكزة على الكره والحقد وإلغاء الآخر.
اننا كعراقيين أمام أزمة كبرى، فبعد ان كان التنظيم يعتمد بالدرجة الأساس على الانتحاريين الأجانب في تنفيذ عملياته في العراق، بدأ التنظيم يعتمد بوتيرة متصاعدة على الانتحاري العراقي الجنسية. وقد أفادت إحدى الناجيات من مجزرة كنيسة سيدة النجاة (31/تشرين الاول/2010) ان احد المجرمين الذين نفذوا الاعتداء كان عراقيا.
ومما لا يخفى ان تنظيم القاعدة قد نفذ أضخم عملياته على الأراضي الأميركية في الحادي عشر من أيلول 2001، ولكنه كان وما زال عاجزاً عن إقناع أي مواطن أميركي، حتى أولئك الذين من أصول عربية أو إسلامية، على تنفيذ عمل انتحاري في وطنه، وهو ما أجبر المخططين على جلب المنفذين من بلدان أخرى، وهذا يسري حتى على المحاولات الانتحارية التي تلت تفجيرات الحادي عشر من أيلول. ان الذي يمنع الأميركي من تفجير نفسه بقصد إيذاء الآخرين هو ليس خوفه من العقوبات، إنما بسبب حبه للحياة ولوطنه وأبناء وطنه. وعلى هذا المبدأ ارتكز الامريكان في بناء عقيدتهم الدفاعية ضد تنظيم القاعدة باعتبار ان الانتحاري سيكون شخصا أجنبيا من خارج البلاد.
امّا توفير الحضانة والتسهيلات اللوجستية لمجرمي القاعدة فهو لا يقل خطورة عن المشاركة في تنفيذ الاعتداءات. فالمعتدي الأجنبي لا يأتي مفخخا من الخارج، بل يتم كل ذلك على الأراضي العراقية عبر تسهيل دخوله إلى الأراضي العراقية واستقباله وتأمين المأوى الآمن له، ومن ثم تزويده بالمتفجرات وبوسيلة النقل وإرشاده إلى الهدف الذي سينفذ فيه اعتداءه الغاشم. ان الادعاء بان العراقيين الذين يهيئون كل تلك التسهيلات انّما يفعلون ذلك لدوافع مادية بحتة، انّما ادعاء ساذج ومحاولة للقفز على الحقائق. ان علينا ان نقر بأن التنظيم قد ضرب أطنابه في أرضنا وها هو يزرع الموت والدمار وقتما وأينما يشاء بغض النظر عن الجهد الذي تبذله الجهات القائمة على أمن البلد التي تستنفد جزءا كبيرا من الميزانية.
وهكذا نلاحظ ان الانتحاري هو عبارة عن عبوة فارغة عديمة الجدوى، ولكن عبر الحضانة والتسهيلات اللوجستية يتحول إلى عبوة خطرة ولكنها غير قابلة للانفجار. وهنا يأتي دور الفتوى التي هي بمثابة المـُلْهِم لكل أطراف الجريمة، فهي من يمنحهم الحافز وهي من تجهز تلك القنبلة البشرية بشرارة الإشعال التي بدونها لن تصبح القنبلة جاهزة للاستعمال، أي ان الفتوى هي الفقرة الأهم في صناعة الإرهاب.
وقد أثبتت «الحالة المصرية» صحة ما نراه في الفتوى، فحين أعاد قادة التنظيمات الإرهابية المصرية حساباتهم وندموا على ما أقدموا عليه من أعمال قتل وتفجير، فَقَدَ الإرهابيون العقيدة الفكرية التي استندوا عليها، وانتهى الأمر بتوبة الكثير منهم. امّا من لم يرضخ للواقع الجديد فلم يكن أمامه من سبيل سوى المغادرة إلى أفغانستان وارتمى في أحضان أسامة بن لادن شيخ الإرهابيين وممولهم المادي وأبوهم الروحي. وقد تكرر ذلك في الجزائر أيضا، حيث أفضت المراجعات التي أجراها قادة الإرهاب لمواقفهم، إلى عملية مصالحة جماعية مع باقي أبناء المجتمع أسهمت في خفض الجرائم الإرهابية إلى حد كبير جدا وأعادت سيطرة الدولة على أطراف البلاد المترامية. والشيء الطريف ان هؤلاء قد أجروا مراجعاتهم بالاعتماد على نفس المراجع والفتاوى التي برروا من خلالها لأنفسهم ارتكاب جرائمهم.
ولكن، رغم كل الأعمال القبيحة والشنيعة التي ارتكبها تنظيم القاعدة في مختلف أرجاء المعمورة، لم يَنْبَرِ ولو واحد من رجال الدين الذين يصغي إليهم الإرهابيون ويأتمرون بأوامرهم بتكفير من يرتكب هكذا جرائم. ويتحجج هؤلاء العلماء بعدم وجود مادة فقهية تجيز تكفيرهم، غير مبالين بعشرات آلاف الضحايا الذين تضرروا من أفعالهم.
ان التركيز على معالجة «صناعة الفتوى» أسهل بكثير من استهداف الإرهابي المتخفي الذي لا يظهر إلا عند ساعة الصفر، فالمفتي ماثل للعيان ويعيش بين ظهرانينا. ان استهداف الجانب الفكري الذي تستند عليه الجريمة الإرهابية يعتبر الوسيلة الأنجع التي تسهم في هدم كل اركانها في آن واحد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

صدام حسين ومسعود برزاني .. من خلّف ما مات

المقدمة حين يدور حديث أو مقال يدور عن «أبو علي الشيباني» [ 1 ] عادة ما يبادر أحدهم بالاعتراض مستنكرا: ليش [= لماذا] لا تتحدث عن «أبو ثقب...